محمد أبو زهرة

2012

زهرة التفاسير

ذلك . وقد اشتمل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ على كل ذلك ، وعلى إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم من سائر الناس ؛ وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأيمان . ثم قال : ومتى اختلفنا في جواز عقد من العقود أو فساده أو في صحة نذر ولزومه صح الاحتجاج على جوازه ولزومه بعموم قوله سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ . وإذا تعارض الإيفاء بعقد من هذه الأنواع الأربعة مع الإيفاء بعقد آخر منها ، وجب على المؤمن أن يوفى بعقده مع ربه ، ولا يجب عليه أن يوفى بعقده مع نفسه أو مع غيره إذا كان إيفاؤه بعقد منهما يخل بإيفائه بعقد ربه . فإذا حلف على ما فيه مخالفة أمر ربه فليحنث في يمينه وليوف عقده مع ربه ولا يوف بما حلف عليه ؛ ولهذا ورد في الحديث « من حلف على شئ ورأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير منه وليكفر عن يمينه » « 1 » . وإذا عقد عقدا أو شرط شرطا يقضى بتحليل محرم أو تحريم حلال أو التزام بباطل شرعا فعليه أن يوفى بعقده مع ربه ولا يوفى بما يخالفه من عقود وشروط ؛ ولهذا ورد في الحديث : « المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا » « 2 » . وقد خاطب الله المخاطبين في أمرهم بالإيفاء بالعقود بوصف الإيمان ليشير إلى أن الإيفاء بالعقود مما يقتضيه الإيمان ، وفي هذا حث على امتثال الأمر والإيفاء بالعقد . وهذا الذي أشار إليه القرآن صرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته إذ عد الوفاء بالعهود من شعائر الإيمان وآيات المؤمن ، ففي الحديث : « آية المؤمن ثلاث : إذا حدث صدق ، وإذا اؤتمن أدى ، وإذا وعد وفى » « 3 » وكما ذكرهم بإيمانهم في بدء هذه السورة إذ أمرهم بالإيفاء بالعقود جملة ، ذكرهم بإيمانهم في

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) سبق تخريجه .